الإقليم بين تهدئة هشة وسباق نفوذ
بين موجات تهدئة تتقدّم خطوة وتتراجع أخرى، يعيد الشرق الأوسط ترتيب أولوياته على إيقاع أمن الملاحة في البحر الأحمر، وسباق الممرات الاقتصادية، وتحولات الطاقة التي باتت تقيس النفوذ بقدرة الدول على تأمين سلاسل الإمداد لا برفع الشعارات. في الخلفية، تتقاطع وساطات عمانية وقطرية مع مسار تطبيع سعودي-إيراني خفّض منسوب التوتر دون أن يطفئ جذوته، فيما تدفع المخاطر البحرية شركات الشحن لإعادة حساب الكلفة والوقت، وترفع أسئلة صعبة حول مرونة التجارة الإقليمية وقدرة الموانئ على امتصاص الصدمات. اقتصاديًا، يتقدّم ملف الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي والسياحة كرهانات لتنويع الدخل، بينما تتسابق الموانئ والمناطق الاقتصادية من جدة إلى الدقم والفجيرة لحجز موقع في خرائط عبور جديدة تفرضها الجغرافيا والسياسة معًا. في الهامش الذي لم يعد هامشًا، تضرب موجات المناخ الغذاء والماء، فتُختبر سياسات الأمن المائي والتحلية والزراعة الذكية بميزانيات مشدودة ومجتمعات تتوق لفرص عمل كريمة. وعلى الأرض، يدفع المدنيون ثمن أي خلل في ميزان الردع والرد، ما يجعل سؤال “الاستقرار المعيشي” أكثر إلحاحًا من خطاب المنابر. المنطقة اليوم أمام اختبار نضج: هل تتحول لحظة التهدئة إلى مؤسسات وقواعد اشتباك تضبط الخلاف وتُحصّن الاقتصاد، أم تُهدر في مناكفات تعيد العجلة إلى الوراء؟ الإجابة لن تصنعها البيانات ولا المؤتمرات، بل كفاءة إدارة المخاطر، وصدق التعهدات، وقدرة العواصم على تقديم حياة يومية ممكنة لمواطنيها وسط عالم لا ينتظر المترددين.
.آخر الأخبار